الشوكاني
356
فتح القدير
لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أربابا ذكر حال المتبوعين فقال ( إن كثيرا من الأحبار ) إلى آخره ، ومعنى أكلهم لأموال الناس بالباطل أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة ، وأثبت هذا للكثير منهم ، لأن فيهم من لم يتلبس بذلك ، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل ولا ميل إلى حطام الدنيا ، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان ، فالله المستعان . قوله ( ويصدون عن سبيل الله ) أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام ، أو عن ما كان حقا في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل . قوله ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان ، وإنهم كانوا يصنعون هذا الصنع ، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين ، والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك ، وأصل الكنز في اللغة الضم والجمع ، ولا يختص بالذهب والفضة . قال ابن جرير : الكنز كل شئ مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها انتهى . ومنه ناقة كناز : أي مكتنزة اللحم ، واكتنز الشئ : اجتمع . واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا ؟ فقال قوم : هو كنز ، وقال آخرون : ليس بكنز ، ومن القائلين بالقول الأول أبو ذر ، وقيده بما فضل عن الحاجة . ومن القائلين بالقول الثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ، وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز . قوله ( ولا ينفقونها في سبيل الله ) اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين ، هما الذهب والفضة ، فقال ابن الأنباري : إنه قصد إلى الأعم ، الأغلب وهو الفضة قال : ومثله قوله تعالى - واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة - رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم ، ومثله قوله - وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها - أعاد الضمير إلى التجارة ، لأنها الأهم ، وقيل إن الضمير راجع إلى الذهب والفضة معطوفة عليه ، والعرب تؤنث الذهب وتذكره ، وقيل إن الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله ( يكنزون ) وقيل إلى الأموال ، وقيل للزكاة ، وقيل إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى . وهو كثير في كلام العرب ، وأنشد سيبويه : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف ولم يقل راضون ، ومثله قول الآخر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن أجل الطوى رماني ولم يقل بريين ، ومثله قول حسان : إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاض كان جنونا ولم يقل يعاضا ، وقيل إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية ، وعدة كثيرة ، ودنانير ودراهم ، فهو كقوله - وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمان الأشياء ، وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز . قوله ( فبشرهم بعذاب أليم ) هو خبر الموصول ، وهو من باب التهكم بهم كما في قوله : * تحية بينهم ضرب وجيع * وقيل إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب ، سواء كان من الفرح أو من الغم . ومعنى ( يوم يحمى عليها فني نار جهنم ) أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد .